سد النهضة والأمن الغذائي العربي

كتب / شبل هيكل

من أكبر المشكلات التي تشغل الرأي العام المصري الفترة الحالية هي سد النهضة والأمن الغذائي، ولكن قبل التطرق في هذه المشكلة دعنا نعرف كيف بدأت الفكرة لإنشاء سد النهضة.

فكرة سد النهضة 

في حقيقة الأمر، كانت الفكرة لإنشاء سد النهضة لدى دول الحبشة منذ فجر التاريخ، لإقامته على منبع النيل الأزرق، حيث  تصورت تلك المنطقة من العالم أن المياه التي تسقط على هضباتها هي ملك لها ولا ترى دول وشعوب المصب التي تستفيد منها،  ولها أحقية في تلك اللعبة الإلهية كما للحبشة حق الانتفاع منها.

وفي بداية عام 2011، انطلقت أثيوبيا خطواتها الجادة فى تشييد سد الألفية كما أطلقت عليه شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية المالكة له حين شرعت فى إنشاؤه، والذي تم تعديله بعد فترة ليصبح سد النهضة كما يذكر الآن، لطالما رأت الحبشة على مدار التاريخ عظم الحضارة المصرية والتى استفادت من النهر وسخرته في الزراعة وتشييد أقدم وأقوى الحضارات في التاريخ، مما حرك لديها الرغبة في إقامة حضارة مماثلة على أرض الحبشة متناسية حقوق دول المصب فى المياه اللازمة لاستمرار الحياة لشعوب مصر والسودان.

محاولات تاريخية لإقامة سد على النيل الأزرق 

عاشت إثيوبيا منذ القرن السادس عشر فترات احتلال من قوى أوروبية معادية  لمصر حينئذ، ومنهم البرتغال الذين أرادوا إضعاف مصر اقتصاديا وتضييق الخناق على التجارة المصرية فى المحيط الهندى وباب المندب، لضرب تجارة مصر فى عصر المماليك من خلال تعطيش المصريين وحرمانهم من النيل، لذا  اتفق القائد البرتغالي البوكيرك مع ملك الحبشة على تحويل مجرى النهر ليحرم مصر من الماء العذب، ولكن باءت المحاولة بالفشل، بسبب تحطم أسطول البوكيرك في البحر إثر عاصفة حينما حاول نبش قبر النبي محمد لمساومة المسلمين على كنيسة القيامة في القدس فخسر أسطوله وعاد إلى الهند. 

بعد ذلك حاول الملك  لويس الرابع عشر تحويل مجرى النيل الأزرق، لذا اتفق مع ملك الحبشة ياسو عام 1705، وعندما علم المصريون تتبعوا خطوات المبعوث من الملك لويس الرابع عشر وقتلوا فى سنار، مما أدى إلى قيام حرب بين سنار والحبشة، وانتهت بهزيمة الأحباش. 

وفي عام 1856 احتد النزاع بين الخديوي سعيد وإثيوبيا، بفعل الحدود الشرقية للسودان، لأنه أرسل بنظرته إلى حكومته في فرنسا أن الإمبراطور تيدو الأثيوبى يهدد بتغيير مجرى النيل الأزرق ويجعل مصبه فى البحر الأحمر ليحرم مصر والسودان من المياه. 

ولم تقتصر المحاولات على ما سبق، لأنه أثناء الاحتلال الإيطالي للحبشة، فكرت إيطاليا فى تحويل مجرى النيل الأزرق إلى البحر الأحمر ولكن فشلوا في تنفيذ تلك الفكرة، لصعوبة التضاريس كما أن الإنجليز لم يعطوهم الفرصة وتدخلوا  واخرجوا إيطاليا من أثيوبيا في عام 1941.

الوضع الراهن فى السد الأثيوبى 

ولكن في عام 2011 عملت أثيوبيا جاهدة فى بدء مشروعها التاريخي على النيل الأزرق مستغلة الأحداث السياسية والاقتصادية فى مصر آنذاك، حيث ثورة يناير، لذا بدأت في وضع حجر الأساس لمشروعها،  زاعمة ورافعة شعار حقوقها في التنمية الكهربائية، متبقية الدعم من عدد من الدوليين بالأموال لتلك الشعارات الرنانة، لذا سرعان ما توجهت إثيوبيا في إقامة مشروعها، ومع توقيع اتفاق المبادئ مع دول المصب عام 2015، لم تلتزم أثيوبيا بأى من بنوده  متخذا من التوقيعات على اتفاق المبادئ من دول المصب سندا لها وشرعية لملئ السد كيفما تشاء وبالكميات التى ترغب فيها، مما تصاعد الخلاف بين أثيوبيا التي انتهجت التعنت فى المفاوضات وعدم الالتزام بأى مخرجات للتفاوض بينها وبين دول المصب، المتمثلة في السودان ومصر مما جعل دول المصب تأخذ خطوات جادة تجاه الأمر.

وضع السد جغرافيا ولوجستيا 

ويجدر الإشارة هنا إلى وضع السد، حيث يتواجد على بعد 15 كم من الحدود الإثيوبية السودانية، منها منطقة الفالق الصدعي الإثيوبي التى اشتهرت على مر العصور بعدم ثباتها لكثرة الزلازل والبراكين في تلك المنطقة، وهذا ما يهابه الجيولوجيون فى مصر، وفقاً لطبيعة الأرض البركانية التي لا تتحمل كل هذا الضغط من المياه المخزنة بحيرة السد، تعالت أصوات الخبراء من دول العالم محذرين من الضغط الأرضي، الذي يؤدي إلى انهيار حتمي في جسم السد والمنطقة كاملة، وهذا ما يتوقعه الخبراء خلال الفترة المقبلة، رغم أن إثيوبيا لم تنته بعد من الملئ المخطط لها بـ 74 مليار متر مكعب من الماء خلف جسم السد، وقد وصلت الكمية إلى 24 مليار متر مكعب، وفقا لبيانات خرجت فى شهر يوليو وأغسطس عام 2023 على ارتفاع 625 متر فوق سطح البحر، وبدأت المشاكل فى الظهور للفنيين والمهندسين القائمين على إنشاء ومراقبة السد.

خطوات سياسية 

وما سبق كان سبب في مبادرة مصر بزمام التفاوض فى كافة المنظمات الدولية، لحماية حقوقها المائية، لذا توجهت  إلى منظمة الإتحاد الأفريقي  لعرض الموقف الجامد من أثيوبيا باحثة عن حلحلة الموقف الثابت من إثيوبيا  تجاه المفاوضات، لكنها لم تصل إلى حل تفاوضي ناجح، كما نددت جامعة الدول العربية فى أكثر من اجتماع بالتعنت الاثيوبى تجاه المفاوضات بين دول المصب وبين أثيوبيا، كما لجأت مصر إلى منظمة مجلس الأمن الدولي التابع لهيئة الأمم المتحدة،  لعرض الموقف ومحاولة الضغط على الطرف الأثيوبى فى اتخاذ خطوات جادة لاتفاق ملزم للأطراف المعنية، من خلال إدارة التخزين وتشغيل السد الذي يضر بدول المصب بشكل بالغ بيئيا واقتصاديا ، حتى وصل الأمر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتم إجراء تفاوض كامل واتفاق شبه كامل على بنود هامة بين الدولتين، لتنظيم عمليات الملئ والتشغيل، ولكن انسحبت أثيوبيا قبل التوقيع مباشرة، وكان هذا الاجتماع بتوصية من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

ماذا لو انهار سد النهضة؟

والجدير بالذكر، أنه في حال استمرار الوضع، سوف تتعرض منطقة القرن الأفريقي كاملة للزلازل والانهيارات  الأرضية، ونشاط بركاني كما توقع العديد  من الجيولوجيين في العالم، وفقاً للضغط الكبير على الهضبة، عقب تخزين كل تلك المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، ومن المتوقع أن تخسر أديس أبابا ثبات قشرتها الأرضية بسبب الضغط الكبير الناتج عن التخزين المبالغ فيه، ومن المتوقع خسارة مليارات الدولارات التي انفقتها على مشروعها التنموى المدفوع بتوجهات سياسية فى سد النهضة الذى وصلت فيه قيمة الاستثمارات نحو 8 مليار دولار أمريكي، والتي حصلت عليه من الصين وإيطاليا والكيان المحتل وفرنسا، باختلاف طرق الدعم سواء كان قروض أو بالإنشاء أو الاستشارات الهندسية أو الدعم السياسي. 

أثر الانهيار على السودان 

وفي حال حدوث الانهيار، من الممكن أن تتضرر الخرطوم، باعتبار أن  سد الروصيرص لن يستطيع الوقوف أمام تلك الكمية الكبيرة من المياه والطمي المخزن، سد النهضه الاثيوبى واضعا  العديد من المدن السودانية تحت تهديد الغرق بالمياه، أي أن الفيضان القوي و الموجة العنيفة من المياه والطمي، ستشكل الضرر الأكبر على مدينة الخرطوم، خاصة منطقة ملتقى النهرين الأبيض والأزرق، اللذان يشكلان معا نهر النيل، كما ستعاني كل من محافظة سنار وأجزاء من القضارف والنيل الأزرق والجزيرة من مخاطر الانجراف الناتج عن التيار القوى للمياه والطمى الهابط من هضبة الحبشة ومنطقة خزان السد،  كما أنه من المحتمل تأثر محافظة الشمالية أيضاً، والتي ستعاني من  آثارا تدميرية قوية، وحتى إن استفادت السودان من الطمي خلف السد الذى يزيد الأراضي الزراعية خصوبة. 

إجراءات احترازية  مصرية 

ويجدر الإشارة، أن الأضرار لن تكون من نصيب الخرطوم فقط، بل مصر ستكون لها حصة من الأضرار، حيث أن تلك الكميات الكبيرة من المياه ستصل في النهاية وخلال 6 أيام فقط إلى جسم السد العالى، هذا السد الركامي المصنوع فى المقام الأول من الجرانيت فى أسوان، حيث قامت القاهرة على رفع جسم السد عدة أمتار إضافية وتوسعية بحيرة ناصر،  لزيادة عمقها خلال السنوات الماضية في محاولة لتلافي الأضرار الناجمة عن الانهيار لو حدث،  وأيضا لإستيعاب كميات مياه تكفى استخدامات مصر فى الزراعة فى حالة اتخاذ أثيوبيا قرارات تعسفية  في التخزين كما حدث فى الفترة الأخيرة،

وأيضا عملت الحكومة المصرية على توسيع مفيض توشكى وتهيئة مساحة توازي حجم بحيرة ناصر تقريبا،  لاستيعاب هذا القدر الكبير من المياه والطمي في حالة الانهيار، ذلك بجانب إقامة عدد من المشاريع  الخاصة بالرى  فى عموم الدولة، حيث أقامت مشروع قناطر ديروط وقناطر إسنا وقناطر  أسيوط ومشروع تبطين الترع فى محاوله إلى ترشيد الاستهلاك من مياه النيل وأيضا السيطرة على المياه في حالة الأزمات.

بنية تحتية جديدة

ومن المهم معرفة، أن مصر استفادت من تلك المشاريع القومية الكبرى التي تبنتها الحكومة في توفير الأمن المائي والاحتياط من آثار السد، لفتح توسعات  جديدة في الرقعة الزراعية، عندما بدأت مشروع المليون فدان ومشروع شرق العوينات الزراعى، كما أنها افتتحت المجال إلى إعادة مشروع توشكى الزراعى عن طريق تهيئة المفيض ومد قناة الشيخ زايد عبد العائق الجرانيتى الذى كان يقف أمام المشروع في الماضي بشكل يساعد في توسيع الرقعة الزراعية فى الجنوب، وكان لها دور في  جذب عدد من المستثمرين العرب والأجانب والمصريين لفتح مشاريع جديدة في الجنوب حيث تعاقدت مصر مع عدد من الشركات الصينية العاملة بالمجال الزراعى للإستثمار فى إستصلاح عدد كبير من الأفدنة، كما وقعت مصر خلال الأسابيع القليلة الماضية اتفاقية جديدة مع عدد من الشركات الإماراتية المهتمة  بالنتائج الزراعى، مما تنعكس آثارها على القاهرة بالعديد من المنافع، من توفير  فرص العمل لأن المشاريع الزراعية كثيفة التشغيل، وتساعد في توفير احتياجات الدولة من الحبوب الأساسية التى كانت تنفق في استيرادها مليارات الدولارات. 

تعاون مصر وأثيوبيا داخل منظمة البريكس

وخلال الفترة الأخيرة، مصر على تعزيز التعاون مع كافة دول العالم سواء سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا، وكانت منظمة البريكس أحد تلك المنظمات الهامة التى سعت القاهرة وأديس أبابا فى دخولها خلال العام الحالى، حيث تم قبول عضوية الدولتين في منظمة البريكس كأعضاء، ومن هنا تم فتح آفاق جديدة للتفاوض بين الدولتين، فقد اتفقا فيما بينهما على إعادة مسار التفاوض والتوصل خلال مدة أقصاها أربعة أشهر، من وقت انعقاد مؤتمر دول جوار السودان في القاهرة بحضور رئيس الوزراء الأثيوبى أبى أحمد، وقد قرر الطرفان المصرى والأثيوبى على ضرورة وجود اتفاق يرضى جميع الأطراف ويضمن حقوق الدول في التنمية المستدامة لشعوبها، وتحييد مخاطر السد على الدول الثلاث الأمر الذي لم تنتهي مدته بعد. 

وهنا سؤال يطرح نفسه 

هل ستلتزم  إثيوبيا وأبى أحمد باتفاق أم أنها تسعى إلى الإستعداد للملئ الخامس خلال أسابيع من الآن مستغلة الوضع التصعيدى على حدود مصر الشمالية الشرقية في قطاع غزة ؟!

وفى النهاية نتمنى جميعا كشعب مصر وشعوب العرب، أن يتم التوصل إلى اتفاق يراعي حقوق دول المصب العربية في الأمن المائى والغذائى لشعوبها، وكذلك الاستقرار السياسى ودرء كافة التهديدات عن شعوبها  العربية والدول الجارة لها.

أضف تعليقك هنا

One Response

Add a Comment

You must be logged in to post a comment

الأخبار ذات الصلة