ماذا لو .. حدثت أزمة اقتصادية كما حذر البنك الدولي

كتب/ شبل هيكل 

أصدرت عدد من وكالات التصنيف الائتماني الفترة الأخيرة تقرير حول تخفيض التصنيف الائتماني لعدد من الدول على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وسط مخاوف وقلق حول وضع الاقتصاد الأمريكي، وكذلك مستقبل الدولار وخاصة بعد رفع سقف الدين الأمريكي أكثر من مرة، ورفع الفائدة فى الفيدرالى الأمريكى بسبب معدلات التضخم التى لا تنفك أن تزيد رغم كل تلك الإجراءات.

وفى سياق متصل أخذت القاهرة أيضا نصيبها من الأوضاع الأخيرة للاقتصاد العالمي، حيث نالت تقارير وكالات التصنيف الائتماني من الاقتصاد المصرى وتم خفض التصنيف خلال الأسابيع القليلة الماضية لأسباب تتعلق بدعم الجنيه المصرى مقابل الدولار وتثبيت الفائدة فى المركزى المصرى أكثر من مرة على الرغم من مستويات التضخم التى يشهدها الإقتصاد المصرى خلال الشهور الأخيرة، ومن هنا يجب أن نبحث حول ماهية أبعاد تحذيرات البنك الدولي عن الأزمة الاقتصادية المتوقعة والتى ستنال من دول العالم جميعا.

تحذير البنك الدولى 

حذر البنك الدولى منذ أيام قليلة حول خطورة التصعيد في منطقة شرق المتوسط، كما أعرب عن قلقه من خطورة انتقال الصراع إلى مناطق أخرى في الشرق المتوسط، منوهاً على القلق من أسعار الطاقة والغذاء التى قد ترتفع بشكل جنوني عالميا على إثر تعطل سلاسل التوريد ولما يملكه الشرق الأوسط من أهمية نفطية،   تدفع عجلات الإنتاج فى العالم كاملا وأن أية مواقف تصعيدية لا تصب في مصلحة أحد في العالم وقد يودى بحياة الملايين ويؤثر بشكل عنيف على الأمن الغذائي العالمي. 

وهنا نعود بالذاكرة إلى عدة أزمات اقتصادية سابقة في التاريخ الحديث، فمثلاً في الحرب العالمية الثانية حتى الأزمة المالية العالمية عام 2008 شهد الاقتصاد العالمي أكثر من ١١ ركود، ولكنه فى أكثر 

من قرن لم يشهد سوى حالة كساد واحدة، و هى الكساد الكبير بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أن أغلب الأزمات الاقتصادية التي مرت على العالم خلال القرن الأخير وواحدة فى القرن 18، وقد بدأت من الولايات المتحدة الأمريكية بسبب حجم الإقتصاد الأمريكى والذى يعد الأكبر في العالم.

عام 1772 أزمة الائتمان 

ومن اقدم الأزمات المسجلة في العالم بدأت بانهيار بنوك لندن وهولندا وانتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير حيث تضخمت القروض لمزارعي  التبغ وتخلفوا عن سداد الديون مما أدى إلى أول أزمة مصرفية في التاريخ، حيث تسارع الانهيار فى أوروبا فى غضون أسبوعين قد انهار 20 بنكا فى أوروبا على إثر انهيار 8 بنوك فى لندن وكان من نتائج هذه للأزمة الحرب الأهلية الأمريكية في الربع الأخير من القرن 18.

عام 1929 الكساد العظيم 

و كان أكبر صدمة اقتصادية عالمية فى القرن الماضى وحتى الآن حيث انهارت بورصة نيويورك، حيث فقدت السوق الأمريكية أكثر من نصف قيمتها خلال أربعين يوما في هذا الكساد وامتد التأثير على العالم بالكامل والذى شهد ركودا حادا أصبح كساد لطول مدته، حيث تراجعت التجارة العالمية بنحو 50% ووصلت معدلات البطالة في بعض الدول إلى 33% واستمر هذا الكساد ما يقرب من 4 أعوام تقريبا وبعدها بدأت  بعض اقتصادات العالم بالتعافى مع اقتراب الحرب العالميه الثانية التي احتاجت نشاطا صناعيا عسكريا هائلا،   و أعاد النشاط الاقتصادى لدول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية التى كانت بعيدة عن المعارك، واهتمت بالنتائج لتوفير المتطلبات لدول أوروبا، حيث شهد الإقتصاد الأمريكية نموا كبيرا جعله فى وقتنا الحالى أكبر اقتصاد في العالم بسبب هذه الطفرة في الإنتاج.

عام 1973  أزمة النفط وحرب النصر العربى 

هى اول أزمة نفطية عالمية بدأت فى أكتوبر 1973، حيث قررت الدول العربية المنتجة للبترول بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز فرض حظر نفطي على الدول التى تساعد إسرائيل في حربها مع العرب ومصر تحديدا فى هذا الوقت، كما أن حظر النفط أدى إلى ارتفاع مستويات التضخم في الاقتصادات  الغربية، مما أدى إلى الدخول في ركود عميق نتيجة نقص المعروض

 من الطاقة، حيث تضرر الاقتصاد الأمريكي الأكبر عالميا فى هذا الوقت تضررا بالغا ومعه اقتصادات وأوروبا وعدد من دول آسيا، واستمر هذا الحظر عام واحد فقط ولكن الازمة طالت لعدة سنوات لأن الإقتصاد لم يتعافى بشكل سريع من الركود.

عام 1997 أزمة العملات الآسيوية  

بينما بدأت أزمة العملات الآسيوية فى تايلاند عام 1997، حيث قامت الحكومة بتعويم العملة وفك ارتباطها بالدولار الأمريكي في أعقاب انتهاء احتياطات تايلاند من النقد الأجنبي، حيث كان للهدف من التعويم هو وقف انهيار سعر الصرف والمشاريع على العملة التايلنديه، والأمر الذي كان يضر باقتصاد تايلاند ولكن سرعان ما انتقلت العدوى إلى ماليزيا وإندونيسيا والفلبين ودول النمور الآسيوية مثل كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة، مما أدى إلى تأزم الاقتصاد العالمى على إثر تلك الانهيارات، بسبب تراكم الديون على الاقتصاد والحكومات التي أوشكت على الإفلاس فى سابقه لم تحدث من قبل، حيث تخلفت مؤسسات مالية عديدة عن سداد ديونها متأثرة بما حدث فى دول آسيا، كما انفجرت فقاعة الديون وانهار العملات الآسيوية، مما جعل صندوق النقد يتدخل بقروض إنقاذ لم تكن كافية لإخراج العالم من حالة الركود الطويل، التي تأثرت على إثره الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية واليابان بشكل كبير بسبب الاعتماد على الأموال الساخنة في الإقتصاد الآسيوى والمضاربة على العملات فى الأسواق

عام 2008 الأزمه المالية العالمية

و قد شملت الأزمة المالية العالمية جميع جوانب الإقتصاد، وأدت إلى وقوع ركود عالمى استمر عام ونصف وما زال الاقتصاد العالمى يعانى تبعاتها حتى الآن، حيث بدأت فى 2007 فى القطاع العقارى الأمريكى، حيث تشكلت فقاعات مالية بسبب القروض وشركات السمسرة المالية، وشهادات ضمان القروض، حيث انفجرت تلك الفقاعة مؤدية إلى انهيار بنك ” ليمان براذرز” الذي كان من بين أكبر البنوك توسعا فى الإقراض العقارى عام ،2008 ولكن سرعان ما انتشر الانهيار ليطال عدد من بنوك بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تدخلت الدول بعدد من الآليات وحزم الانتعاش المالي للبنوك فى محاولة من الحد من تأثيرات هذا الانهيار المالى الكبير والذى تكرر حدوثه  فى عام 2023، حيث تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية  لدعم بنك ” وادى السيليكون ” وأيضا  عدد من الدول الأوروبية مثل” كريدى سويس ” بشكل سريع للسيطرة على مسلسل الانهيار.

الأزمة المقبلة في 2024

ولكن هنا، يترقب وقوع أزمة مقبلة والتى بدأت فى 2023 بالفعل والمتوقع حدوث ذروتها 2024 تتشابه المحددات  بينها وبين ما سبق من أزمات إلا أن الاختلاف يكمن في عدة عوامل أهمها على الإطلاق أن العالم يشهد حاليا انقسام اقتصادي غير مسبوق بين أقطاب النظام العالمى الجديد والحالي، وهذا الأمر سيجعل الخروج من الأزمة يطول على عكس الأزمات السابقة، بجانب أن بداية الانهيار الاقتصادى القادم قد تتشابه مع انهيار 2008 فى بعض النقاط أهمها القطاع العقارى والإنشائي في عدد من دول العالم، حيث ستتوقف عمليات البيع والشراء العقارى فى حالة حدوث كساد قوية، الأمر الذي يجعل من هذا الانهيار طامه كبرى على اقتصاديات الدول منفردة وعلى اقتصاد العالم أجمع، كما أن توقف إنتاج بعض السلع الغذائية وخاصة للشركات العابرة للقارات على إثر تأثر صناديق المال الداعمة لتلك العلامات التجارية فى سابقه لم تحدث من قبل، بسبب انهيار قوى فى قيمة الاستثمارات المالية لديها  فى أذون الخزانة في البنوك، وايضا انخفاض قيمة رأس المال مقابل الخامات التى تواجه تحديات قوية بالفعل حول الإمداد والأسعار ومتوقع زيادة تلك التحديات مستقبلا،  الأمر الذى قد يودى بحياة عدد كبير من العلامات التجارية العابرة للحدود فى الأسواق العالمية. 

كما أن التهديد القادم اقتصاديا بعد أن يطال قطاع الطاقة قد تحدث الكارثة الكبرى فى العديد من الدول المتقدمة، حيث توقفت عجلة الإنتاج لعدد من السلع المعمره والصناعة الثقيلة كصناعة الصلب والألومنيوم، التى تحتاج لقدر كبير من الطاقة ليتم الإنتاج بشكل مطابق للمواصفات الأمر الذي سيعود على عدد من الصناعات بالتوقف النسبي، بسبب عدم توافر قطع الغيار لفترة، وأيضا لارتفاع أسعارها في الأسواق والاعتماد بشكل كبير على إعادة الإستخدام لقطع الغيار، وايضا للمعدات كما سيؤدي إلى تعطل عجلة الإنتاج الزراعى والصناعى  بسبب الأسعار تارة وبسبب توقف الإنتاج تارة أخرى.

و بجانب تأثر نظم التدفئة فى عدد كبير من الدول وخاصة الدول التى تعتمد على الغاز الطبيعى ومشتقات النفط في توفير الدفء اللازم للمواطنين لتجاوز الشتاء القارص  فى عدد من الدول الشمالية، والتى من المتوقع في ظل التطرف المناخي الذي يحدث على الأرض منذ عامين أو أكثر والذي سيجعل الأمر صعب جدا على عدد من الدول خلال الأزمة المقبلة، حيث أن أسعار الطاقة ستشهد ارتفاعات قياسية توقف إمداد بشكل كامل بسبب عدد من التهديدات في مناطق الإنتاج، وهذا ما يدفع أوروبا تعمل جاهده لتفاديه، حفاظا على شعوبها من التجمد فى منازلهم على إثر تلك التحديات.

إما عن الخدمات العامة والنقل الداخلي والخارجي سواء برا او بحرا او جوا للدول وسلاسل التوريد بين الدول بعضها البعض والسلع الغذائية، فقد تشهد ارتفاعا كبيرا في الأسعار على إثر ذلك الانهيار المتوقع والذي سيجعل حصول الدول الأكثر فقرا للموارد الغذائية والخدمية من الدول المصدرة، أمرا شبه مستحيل لفتره من الوقت، بفعل عدد من التحديات التجارية التي قد تواجه العالم في هذا الانهيار بين عدم استقرار أسعار العملات المخصصة للتبادل التجارى بين الدول كافة، وأيضا على المستوى المحلى الذى سيشهد موجات من الركود التضخمى لم يعهدها  قد تجعل المنتجين في حالة من التوقف لعدم فقد قيمه ما يقدمونه من منتجات وخدمات، بسبب الانهيار الذي سيستمر لفترة من الوقت  وخاصة الصناعات التى تعتمد على مواد خام غير محلى للدول، حيث أنها ستواجه  تحديات أكثر من تلك التي تعتمد على خامات محلية، بسبب العملات والتسعير كما ستتأثر تلك الخدمات بأسعار الطاقة من النفط والغاز والفحم والمازوت والكهرباء، بفعل ارتفاع الأسعار العالمية التي قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة.

ويبقى السؤال الأهم حاليا ماذا لو توافقت كافة الشروط لحدوث الأزمة كما توقع الجميع فما ستكون المخارج المتاحة لدى الدول ؟!

هذا ما سنتطرق له فى مقال آخر فقط وحصريا فى بيت الصناعة على بوابة بيطري توداى.

 

أضف تعليقك هنا

Add a Comment

You must be logged in to post a comment

الأخبار ذات الصلة